قوات درع الوطن اليمنية.. النشأة، القيادة، الحجم الحقيقي، والتمدد العسكري في اليمن

في مطلع يناير،كانون الثاني، 2026، دخلت محافظتا حضرموت والمهرة على خط التصعيد العسكري بعد اندلاع اشتباكات مباشرة بين قوات درع الوطن وقوات تابعة لـ المجلس الانتقالي الجنوبي، في تطور أنهى سنوات من التوازن الهش في شرق اليمن، وفتح فصلًا جديدًا من الصراع داخل معسكر القوى المناهضة للحوثيين.

الاشتباكات اندلعت مع تحركات ميدانية لقوات درع الوطن باتجاه معسكرات ومواقع عسكرية في وادي حضرموت والمهرة، رافقها قصف جوي نفذته مقاتلات التحالف بقيادة السعودية، ما أتاح لتلك لقوات الدره بسط سيطرتها على مواقع استراتيجية، شملت معسكرات، مطارات، ومقار أمنية، في واحدة من أوسع العمليات العسكرية الحكومية في الشرق اليمني.

وجاء هذا التصعيد في سياق صراع متراكم بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي حول النفوذ العسكري والإداري في المحافظات الشرقية، حيث مثّل دخول قوات درع الوطن إلى حضرموت والمهرة تحولًا ميدانيًا حاسمًا، أنهى وجود قوات الانتقالي في تلك المناطق، ورسّخ واقعًا عسكريًا جديدًا لصالح السلطة الشرعية.

وتُعد قوات درع الوطن قوة عسكرية أُنشئت بقرار مباشر من رئيس مجلس القيادة الرئاسي د.رشاد العليمي، وتخضع لقيادته وأوامره بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما منحها غطاءً سياسيًا وعسكريًا مكّنها من لعب هذا الدور الحاسم.

هذا التقرير يتناول بالتفصيل نشأة قوات درع الوطن، وقيادتها، وعددها، وتنظيمها، ومسار صعودها العسكري، وصولًا إلى دورها في المواجهة مع المجلس الانتقالي، ودلالات سيطرتها على حضرموت والمهرة.

النشأة والخلفية: من رحم العمالقة إلى قوة مستقلة بقرار رئاسي

تعود الجذور الأولى لقوات درع الوطن إلى الانقسامات التي شهدتها ألوية العمالقة، وهي قوات سلفية تشكلت بدعم إماراتي ولعبت دورًا بارزًا في معارك الساحل الغربي ضد جماعة الحوثي. ومع اتساع الخلاف بين الرياض وأبو ظبي حول إدارة الملف العسكري في جنوب اليمن، وتحوّل ألوية العمالقة الجنوبية إلى ذراع عسكرية مندمجة في مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي المنادي بالانفصال، اتجهت السعودية إلى استقطاب قادة وعناصر من العمالقة لتشكيل جناح سلفي موازٍ موالٍ للحكومة الشرعية.

بدأ تشكيل هذا الجناح مطلع عام 2022 بدعم سعودي مباشر، تحت مسميات مختلفة، قبل أن يُعاد تنظيمه وتسميته لاحقًا بـ قوات درع الوطن في سبتمبر/أيلول 2022. وجرى الإعلان غير الرسمي عن هذه القوات في يوليو/تموز من العام نفسه، بالتزامن مع ذكرى تحرير عدن من الحوثيين.

الإطار القانوني اكتمل في 29 يناير/كانون الثاني 2023، عندما أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي القرار رقم (18) لسنة 2023 بإنشاء وحدات عسكرية تسمى قوات درع الوطن، ونص القرار على أن تكون هذه القوات “احتياطي القائد الأعلى للقوات المسلحة”، وأن القائد الأعلى هو المخوَّل بتحديد عددها ومهامها ومسرح عملياتها بأمر عملياتي يصدر عنه. وبذلك تتبع قوات درع الوطن مباشرةً لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتخضع لأمرته في تحديد المهام والانتشار.

من هو قائد قوات درع الوطن؟

يقود قوات درع الوطن منذ تأسيسها العميد بشير سيف قائد غُبير المضربي الصبيحي، وهو شخصية سلفية بارزة من مواليد منطقة الصبيحة – رأس العارة بمحافظة لحج جنوب اليمن. تلقى تعليمه الديني في المراكز السلفية بمحافظتي صعدة، ولا سيما معهد دماج، ويُعد من مشايخ التيار السلفي الذين برزوا بعد عام 2011.

صورة قائد قوات درع الوطن بشير الصبيحي
صورة قائد قوات درع الوطن بشير الصبيحي

شارك المضربي في قيادة المقاومة الشعبية التي تشكلت في مدينة عدن لمواجهة التقدم الحوثي عام 2015، وكان من بين القادة الذين لعبوا أدوارًا في المعارك التي سبقت تحرير المدينة. وبعد سيطرة الإمارات على الملف الأمني في عدن، وتهميش القوى التي رفضت الانخراط في المشروع الانفصالي، تراجع حضوره لفترة، قبل أن يعود مجددًا عبر التشكيل الجديد المدعوم سعوديًا.

وبموجب القرار الجمهوري رقم (19) لسنة 2023، عُيّن المضربي قائدًا عامًا لقوات درع الوطن برتبة عميد. ويعاونه مستشار عسكري هو العميد محمد صالح عبيد باعيسى. ويتخذ من قاعدة العند الجوية بمحافظة لحج مقرًا رئيسيًا لقيادة القوات.

كم عدد قوات درع الوطن؟ الحجم الحقيقي والقوام البشري

تشير التقديرات العسكرية إلى أن قوام قوات درع الوطن يبلغ نحو 45 ألف مقاتل، وهو رقم يجعلها من أكبر التشكيلات العسكرية المنضوية اسميا تحت مظلة الحكومة اليمنية خلال السنوات الأخيرة.

بدأت القوات بنواة أولية تجاوزت 14 ألف جندي خلال أشهر التأسيس الأولى، قبل أن تتوسع بسرعة عبر عمليات تجنيد واستقطاب شملت محافظات جنوبية بشكل أساسي، مثل لحج وعدن وأبين وشبوة والمهرة، إلى جانب استيعاب مقاتلين من المحافظات الشمالية، لا سيما البيضاء وتعز وإب وذمار، ضمن ألوية متمركزة في مأرب والجوف وحضرموت.

وتتكوّن القوات تنظيميًا من 3 فرق رئيسية، تضم ما مجموعه 21 لواءً قتاليًا، إضافة إلى لواء شرطة عسكرية ووحدات مساندة، وجميعها من صنوف القوات البرية. ويضم كل لواء عدة كتائب، ما يمنح التشكيل قدرة على الانتشار السريع والعمل في مسارح عمليات متعددة.

التنظيم والقدرات العسكرية

تخضع قوات درع الوطن كليًا لـ هيئة إدارة القوات اليمنية بقيادة القوات المشتركة التابعة للتحالف، وتتمتع بتنظيم إداري مستقل. ولا ترتبط عملياتيًا ولوجستيًا بوزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة، رغم خضوعها الاسمي للقوانين العسكرية اليمنية.

تمتلك القوات تسليحًا جيدًا يشمل عربات مدرعة ومصفحات ومدفعية ميدانية ومضادات دروع، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة. وتتلقى رواتب وتمويلًا سخيًا من السعودية، إلى جانب دعم حكومي محدود.

وتعتمد القوات عقيدة تدريب خاصة، ذات طابع سلفي عقائدي، وخطاب ديني يميزها عن التشكيلات التقليدية في الجيش اليمني. ولا ترفع علم الجمهورية اليمنية أو أعلامًا جنوبية، بل تعتمد شعارًا خاصًا بها، ولها مكتب إعلامي نشط على منصات التواصل الاجتماعي.

 الانتشار والتمدد في حضرموت والمهرة

شهدت قوات درع الوطن توسعًا ميدانيًا لافتًا في محافظتي حضرموت والمهرة بدءًا من نوفمبر/تشرين الثاني 2025. ففي وادي وصحراء حضرموت، تسلمت القوات مهام تأمين الخط الدولي الرابط بين العبر والوديعة والخشعة، كما تسلمت معسكرات ومواقع اللواء 23 ميكا التابع للمنطقة العسكرية الأولى.

وفي محافظة المهرة، تولت قوات درع الوطن مهام تأمين مطار الغيضة الدولي، وتسلمت معسكر نشطون وعددًا من المقار الحكومية، بينها الاستخبارات العسكرية والسجن المركزي والبحث الجنائي، ضمن ترتيبات قالت الحكومة إنها جاءت لتعزيز الأمن وحماية المدنيين.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، أعادت القوات الانتشار في مدينة سيئون ووادي حضرموت، وصولًا إلى مدينة المكلا وساحل وهضبة حضرموت، ضمن عملية عسكرية قادتها الحكومة اليمنية بدعم من التحالف بقيادة السعودية، لإخراج قوات المجلس الانتقالي المدعومة إماراتيًا من حضرموت والمهرة.

قوات "درع الوطن" أثناء انتشارها وسيطرتها على مطار سيئون في محافظة حضرموت (المجلة)
قوات “درع الوطن” أثناء انتشارها وسيطرتها على مطار سيئون في محافظة حضرموت (المجلة)

وتمثل قوات درع الوطن اليوم الركيزة العسكرية الأبرز التي يعتمد عليها مجلس القيادة الرئاسي في فرض قراراته الميدانية، وإعادة الاعتبار لسلطة الدولة في مناطق ظلت لسنوات خاضعة لتعدد مراكز القوة والنفوذ.

وبالنسبة للحكومة اليمنية، فإن ما جرى في حضرموت والمهرة لا يُعد صراعًا بين أطراف متنافسة، بل عملية سيادية تهدف إلى إنهاء الازدواج العسكري، ومنع تفكك المؤسسة الأمنية، وتأمين المنافذ والمطارات والمعسكرات الاستراتيجية، في إطار التحضير لأي تسوية سياسية شاملة.

وبينما تثير قوات درع الوطن جدلًا لدى خصوم الحكومة، ترى القيادة الشرعية فيها قوة نظامية تتبع القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتتحرك بأوامر رسمية، وتمثل خطوة متقدمة نحو إعادة بناء جيش وطني موحد، قادر على حماية الدولة ومواجهة التحديات الأمنية، وفي مقدمتها جماعة الحوثي.

ومع استمرار إعادة الانتشار وترسيخ النفوذ الحكومي في الشرق، تبدو قوات درع الوطن مرشحة للعب دور محوري في المرحلة المقبلة، سواء في تثبيت الاستقرار الداخلي أو في أي معركة قادمة تتعلق بمستقبل اليمن ووحدته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى